بالأمس اتصلت على أصدقائي بجدة لنلتقي واتفقنا أن أمرق لأخذهم واحدا واحدا. مررت أولا على مدائن الفهد وأثناء قيادة أخي للسيارة كنت ألاحظ الطرز المعمارية القديمة لهذا الحي الذي كان راقيا في فترة السبعينات الميلادية. لقد بني الحي بين أواخر الستينات والسبعينات وكان في أوج رقيه بين السبعينات والثمانينات الميلادية. ومما يميز مباني هذا الحي هو الفلل ذات التصاميم المميزة والتي تشي وتشير إلى نمط الحياة ومستوى المعيشة السائد في تلك الفترة المهمة جدا من تاريخنا السعودي المعاصر. كانت تلك التصاميم تعطي فكرة عن طريقة حياة الإنسان الجداوي في تلك الأحياء إبان فترة الطفرة بكل ما تحمل من تغيرات سيسيولوجية وثقافية عميقة غيرت شكل الحياة بأسلوب خاطف وعميق، ولم يتم رصده في هذه الأرض.الشرفات والبلكونات والأسوار المنخفضة والشبابيك الكبيرة هي ما يميز تصاميم هذا الحي. أشجار النيم المنتشرة على الأرصفة وفي داخل البيوت وبوابات المنازل الكبيرة وذات التصاميم المختلفة والمبتكرة كلها جعلتني أفكر طويلا، لكن على الأخص البلكونات والأسوار المنخفضة هي ما لفتني وجعلني أقارن بين الحياة في ذلك الوقت وفي وقتنا الحالي.ما يميز الأسوار المنخفضة أنها جميعا وبنسبة ساحقة تعرضت للتغيير. كل الأسوار كانت منخفضة ولكن تم إدخال تغييرات تشويهية عليها بحيث تم رفعها لتصبح أعلى. لم يسلم جدار واحد من هذا التغيير وهذا ما لحظته في خط سيري. كل الجدر تم رفعها بشكل بشع. لقد تمت إضافة سور إضافي على السور المنخفض وتم تلييسه ودهنه في الغالب بنفس لون السور الأصلي، ويبقى شكل ذلك التغيير واضحا كإضافة تشوه شكل الأسوار الجميلة المنخفضة. أما في العمائر الحديثة فلم يبق للسور المنخفض أي وجود. كل العمائر الجديدة تحمل أسوارا مرتفعة من الأساس. وفوق الأسوار المرتفعة أعمال هنقر كمبالغة في حجب من هم بالداخل.هذه كانت الملاحظة الأولى.الملاحظة الثانية كانت إدخال تعديلات على أغلب البلكونات بحيث يتم تحويلها إلى غرفة مغطاة بالكامل بالألومينيوم أو سد الحاجز الحديدي المزخرف بأخشاب الأبلكاش بحيث تحجب رؤية من في البلكونة.وحيث كانت البلكونة تصميما حاضرا وبقوة في أغلب العمارات المبنية في السبعينات، نجد أنها غابت تماما وبنسبة 100% في العمائر الحديثة. بمعنى أن البلكونة التي كانت حاضرة قديما تم تغييرها لتفقد الهدف الذي أنشئت من أجله، وأنه تم الاستغناء عنها تماما في المباني الحديثة.
هاتان الملاحظتان جعلتاني أفكر في الأسباب التي دفعت الناس إلى إحداث هذه التغييرات. وكيف أن التصاميم القديمة كانت سمة لطريقة حياة الناس في ذلك الوقت وكيف تغيرت أنماط الحياة تلك لتصبح هكذا بالشكل المعهود حاليا.أنا لست باحثا اجتماعيا ولا أخصائي عمارة وهندسة معمارية وتصاميم بيئة لأستطيع شرح ما يحدث وأبعاده الثقافية والاجتماعية والسيسيولوجية، ويؤسفني كثيرا أن المختصين السعوديين من الكسل بحيث لم يرصدوا مثل هذه التغيرات الكبيرة وآثارها وأسبابها والآيدلوجيا القائمة خلفها.لقد مر مجتمعنا السعودي بتغيرات هائلة من مرحلة البداوة لمرحلة الطفرة التي ضربت بجذورها في صميم المجتمع وغيرته بشكل لم يحصل من قبل بهذا العمق. ومؤسف أن ذلك لم يرصد ولم يسجل ولم يبحث بشكل علمي موضوعي.المهم، كنت أفكر في تلك التغييرات عندما ركب السيارة أحد أصدقائي، ومباشرة دخلنا في الحديث حول هذه الملاحظات واندهش أنه هو من سكان الحي ولم يلاحظ ما لاحظته. وبدأنا نتحدث كأشخاص عاديين غير مختصين وربطنا هذه التغييرات بتنامي ظاهرة التدين وطغيان التيار المحافظ على المجتمع إبان فترة التسعينات الميلادية والذي بدأ منذ الثمانينات والجهاد الأفغاني.الناس في فترة السبعينات كانت عاشقة وطافحة بالطفرة. كانوا عشاقا ويغلب عليهم الهوى المصري والسفر إلى الخارج، مصر ولندن وبيروت تحديدا. الناس كانوا أكثر إنفتاحا وأقل تحفظا ولذلك جاءت أسوار منازلهم أقصر. وللسور القصير إشارة إلى الأمن السائد وقل الخوف. في تلك الفترة قبل حرب الخليج كان المجتمع الجداوي يتركب في مجمله من جاليات معروفة تختلف عن الجاليات الأفريقية والهندية والبنغالية الحالية التي أحدثت اختلالا أمنيا واضحا ومعروفا. وللبلكونة وحبل الغسيل قصص لازالت تروى في شوارع هذه الأحياء الحبيبة على نفسي. الناس أكثر انفتاحا وأقل محافظة والبلد محكمة أمنيا والبلد تعج بالأحلام والجمال.أتذكر شباب ومراهقي الثمانينات والسبعينات الميلادية من غرفة المستودع في فيلا جدي القديمة بحي المدائن. لقد ملأها خالي المراهق في تلك الأيام بالذكريات. اسطوانات الأغاني وكاسيتات مايكل جاكسون وأفلام رامبو وروكي ودريد لحام السياسية اللاذعة وداوود حسين. الفنانات العربيات وصورهن وصوره معهن في مصر وبيروت والتذكارات من لندن والهند وبقية الأشياء التي تشي وتخبر بحياة شباب تلك الفترة.تلك الخصوصيات السبعينية والثمانينية انتهت في نهاية فترة الثمانينات والتسعينات - فترة طفولتي- إلى غرفة المستودع بعد أن كانت في الغرف معروضة ومفتخر بها. لقد أصبحت مدعاة للخجل خصوصا في التسعينات. وجاءت حرب الخليج وتغير كل شيء. التيار المحافظ استولى على كل شيء وتغير وجه الحياة.السور ارتفع، البلكونة طمست، أشرطة مايكل جاكسون انتهت إلى المستودع، والشباب الحالم الجميل تحول إلى الجهاد.هكذا كنا نتحدث، ونسينا أننا ابتعدنا كثيرا عن شارع المكرونة، حيث كان ينبغي أن نلتقط صديقنا الآخر الذي اتصل ونبهنا إلى أننا نسيناه!عدنا لشارع المكرونة ، ثم إلى شارع التضامن العربي، واتصلت على صديقي لأخبره بأن ينزل إلينا. وأول حديث استقبلته به هو اسم الشارع، شارع التضامن العربي!قلت له، هل تعلم أن اليوم هو يوم وفاة جمال عبدالناصر؟ واسم هذا الشارع الذي يعطي إشارة شديدة الوضوح إلى الوقت الذي فيه تسمى هذا الشارع بهذا الاسم. وانتقلنا إلى الحديث عن فترة الستينات الميلادية والمشروع القومي العربي بقيادة عبدالناصر وتحطمه والخرابيط الأخرى الكثيرة. وأعادنا صديقي الأول للحديث عن التغيرات العمرانية في البلد عندما علقنا في ازدحام مروري شديد عند أحد الكباري الجديدة تحت الإنشاء. وهكذا تنقلنا في الأحاديث لنتتوقف طويلا عند لومي لأصدقائي على قل تواصلهم.قالوا بأن آخر مرة اجتمعوا فيها ببقية الأصدقاء كانت في العام الماضي عندما كنت هنا قبل سفري للخارج.
وتعبت من كثر ما أكتب. وسأعود لاحقا للحديث عن التغيرات الاجتماعية فيما يتعلق بالتواصل الاجتماعي البسيط بين الأصدقاء والأهل. وسأروي لكم حديثنا الذي دار بالأمس.المهم، انتهت أحاديثنا في قهوة سُمّار عند مبنى الحجاج في المطار القديم على أنفاس الجراك في قهوة حملت معها تاريخا غير محكي، وقصص غير منقولة، وأشباح جاءت وراحت هكذا بهدوء صحراءنا القاحلة دون أن يلحظ وجودها أحد.بقيت الصحراء صحراء، والأحلام أحلام، ومات طلال مداح ولم يخلد ذكراه أحد
هاتان الملاحظتان جعلتاني أفكر في الأسباب التي دفعت الناس إلى إحداث هذه التغييرات. وكيف أن التصاميم القديمة كانت سمة لطريقة حياة الناس في ذلك الوقت وكيف تغيرت أنماط الحياة تلك لتصبح هكذا بالشكل المعهود حاليا.أنا لست باحثا اجتماعيا ولا أخصائي عمارة وهندسة معمارية وتصاميم بيئة لأستطيع شرح ما يحدث وأبعاده الثقافية والاجتماعية والسيسيولوجية، ويؤسفني كثيرا أن المختصين السعوديين من الكسل بحيث لم يرصدوا مثل هذه التغيرات الكبيرة وآثارها وأسبابها والآيدلوجيا القائمة خلفها.لقد مر مجتمعنا السعودي بتغيرات هائلة من مرحلة البداوة لمرحلة الطفرة التي ضربت بجذورها في صميم المجتمع وغيرته بشكل لم يحصل من قبل بهذا العمق. ومؤسف أن ذلك لم يرصد ولم يسجل ولم يبحث بشكل علمي موضوعي.المهم، كنت أفكر في تلك التغييرات عندما ركب السيارة أحد أصدقائي، ومباشرة دخلنا في الحديث حول هذه الملاحظات واندهش أنه هو من سكان الحي ولم يلاحظ ما لاحظته. وبدأنا نتحدث كأشخاص عاديين غير مختصين وربطنا هذه التغييرات بتنامي ظاهرة التدين وطغيان التيار المحافظ على المجتمع إبان فترة التسعينات الميلادية والذي بدأ منذ الثمانينات والجهاد الأفغاني.الناس في فترة السبعينات كانت عاشقة وطافحة بالطفرة. كانوا عشاقا ويغلب عليهم الهوى المصري والسفر إلى الخارج، مصر ولندن وبيروت تحديدا. الناس كانوا أكثر إنفتاحا وأقل تحفظا ولذلك جاءت أسوار منازلهم أقصر. وللسور القصير إشارة إلى الأمن السائد وقل الخوف. في تلك الفترة قبل حرب الخليج كان المجتمع الجداوي يتركب في مجمله من جاليات معروفة تختلف عن الجاليات الأفريقية والهندية والبنغالية الحالية التي أحدثت اختلالا أمنيا واضحا ومعروفا. وللبلكونة وحبل الغسيل قصص لازالت تروى في شوارع هذه الأحياء الحبيبة على نفسي. الناس أكثر انفتاحا وأقل محافظة والبلد محكمة أمنيا والبلد تعج بالأحلام والجمال.أتذكر شباب ومراهقي الثمانينات والسبعينات الميلادية من غرفة المستودع في فيلا جدي القديمة بحي المدائن. لقد ملأها خالي المراهق في تلك الأيام بالذكريات. اسطوانات الأغاني وكاسيتات مايكل جاكسون وأفلام رامبو وروكي ودريد لحام السياسية اللاذعة وداوود حسين. الفنانات العربيات وصورهن وصوره معهن في مصر وبيروت والتذكارات من لندن والهند وبقية الأشياء التي تشي وتخبر بحياة شباب تلك الفترة.تلك الخصوصيات السبعينية والثمانينية انتهت في نهاية فترة الثمانينات والتسعينات - فترة طفولتي- إلى غرفة المستودع بعد أن كانت في الغرف معروضة ومفتخر بها. لقد أصبحت مدعاة للخجل خصوصا في التسعينات. وجاءت حرب الخليج وتغير كل شيء. التيار المحافظ استولى على كل شيء وتغير وجه الحياة.السور ارتفع، البلكونة طمست، أشرطة مايكل جاكسون انتهت إلى المستودع، والشباب الحالم الجميل تحول إلى الجهاد.هكذا كنا نتحدث، ونسينا أننا ابتعدنا كثيرا عن شارع المكرونة، حيث كان ينبغي أن نلتقط صديقنا الآخر الذي اتصل ونبهنا إلى أننا نسيناه!عدنا لشارع المكرونة ، ثم إلى شارع التضامن العربي، واتصلت على صديقي لأخبره بأن ينزل إلينا. وأول حديث استقبلته به هو اسم الشارع، شارع التضامن العربي!قلت له، هل تعلم أن اليوم هو يوم وفاة جمال عبدالناصر؟ واسم هذا الشارع الذي يعطي إشارة شديدة الوضوح إلى الوقت الذي فيه تسمى هذا الشارع بهذا الاسم. وانتقلنا إلى الحديث عن فترة الستينات الميلادية والمشروع القومي العربي بقيادة عبدالناصر وتحطمه والخرابيط الأخرى الكثيرة. وأعادنا صديقي الأول للحديث عن التغيرات العمرانية في البلد عندما علقنا في ازدحام مروري شديد عند أحد الكباري الجديدة تحت الإنشاء. وهكذا تنقلنا في الأحاديث لنتتوقف طويلا عند لومي لأصدقائي على قل تواصلهم.قالوا بأن آخر مرة اجتمعوا فيها ببقية الأصدقاء كانت في العام الماضي عندما كنت هنا قبل سفري للخارج.
وتعبت من كثر ما أكتب. وسأعود لاحقا للحديث عن التغيرات الاجتماعية فيما يتعلق بالتواصل الاجتماعي البسيط بين الأصدقاء والأهل. وسأروي لكم حديثنا الذي دار بالأمس.المهم، انتهت أحاديثنا في قهوة سُمّار عند مبنى الحجاج في المطار القديم على أنفاس الجراك في قهوة حملت معها تاريخا غير محكي، وقصص غير منقولة، وأشباح جاءت وراحت هكذا بهدوء صحراءنا القاحلة دون أن يلحظ وجودها أحد.بقيت الصحراء صحراء، والأحلام أحلام، ومات طلال مداح ولم يخلد ذكراه أحد
29 Sep 2010